اليعقوبي
205
تاريخ اليعقوبي
مجزي به ، فاصنع خيرا صنع الله بنا وبك خيرا ، وأعلمني الصدق فيما صنعت ، والسلام . قال : وقدم على علي أبو مريم القرشي المكي ، كان صديقا له ، فلما رآه قال : ما أقدمك يا أبا مريم ؟ قال : والله ما جئت في حاجة ، ولكن عهدي بك قديم ، فأحببت أن أراك ، ولو اجتمع أهل الأرض عليك لأقمتم على الطريق . فقال : يا أبا مريم ، والله إني لصاحبك الذي تعلم ، ولكن منيت بشرار خلق الله إلا من رحم الله ، يدعونني فآبي عليهم ثم أجيبهم ، فيتفرقون عني ، والدنيا محنة الصالحين ، جعلنا الله وإياك منهم ، ولولا ما سمعت من حبيبي أنه يقول لضاق ذرعي غير هذا الضيق ، سمعته يقول : الجهد والبلاء أسرع إلى من أحب الله وأحبني من السيل إلى مجاريه . وكتب أبو الأسود الدئلي ، وكان خليفة عبد الله بن عباس بالبصرة ، إلى علي يعلمه أن عبد الله أخذ من بيت المال عشرة آلاف درهم ، فكتب إليه يأمره بردها ، فامتنع ، فكتب يقسم له بالله لتردنها ، فلما ردها عبد الله بن عباس ، أو رد أكثرها ، كتب إليه علي : أما بعد ، فإن المرء يسره درك ما لم يكن ليفوته ، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه ، فما أتاك من الدنيا فلا تكثر به فرحا ، وما فاتك منها فلا تكثر عليه جزعا ، واجعل همك لما بعد الموت ، والسلام . فكان ابن عباس يقول : ما اتعظت بكلام قط اتعاظي بكلام أمير المؤمنين . وقال كميل بن زياد : وأخذ بيدي علي ، فأخرجني إلى ناحية الجبانة ، فلما أصحر تنفس الصعداء ثلاثا ، ثم قال : يا كميل ، إن القلوب أوعية فخيرها أوعاها ، احفظ عني ما أقول لك : الناس ثلاثة : عالم رباني ، ومتعلم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع أتباع كل ناعق ، لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق . يا كميل ! العلم خير من المال ، العلم يحرسك ، وأنت تحرس المال ، والعلم حاكم ، والمال محكوم عليه ، مات خزان المال وهم